مولده (علیه السلام): بمكة داخل الكعبة على الرخامة الحمراء، و لم ینقل ولادة أحد قبله و لا بعده فى الكعبة، یوم الجمعة ثالث عشر رجب، بعد عام الفیل بثلاثین سنة فى ملك شهریار، و كان رسول الله (صلى الله علیه و آله) یحمله على كتفه و یدور به شعب مكة، صلوات الله على الحامل و المحمول.
أسماؤه: كثیرة، أشهرها على، و روى أن أمه وضعته فى غیبة أبیه فسمته أسدا، على اسم أبیها، فلما حضر أبو طالب سماه علیا ، و من أسمائه حیدر .
ألقابه: كثیرة، منها: أمیر المؤمنین، و یعسوب الدین، و إمام المسلمین، و مبید الشرك، و قاتل الناكثین و القاسطین و المارقین، و مولى المؤمنین ، و شبیه هارون، و المرتضى، و نفس الرسول، و أخوه، و زوج البتول، و سیف الله المسلول، و أمیر البررة، و قاتل الفجرة، و قسیم الجنة و النار، و صاحب اللواء، و سید العرب، و خاصف النعل، و كشاف (7) الكرب، و الصدیق الأكبر، و ذو القرنین، و الهادى، و الفاروق،و الداعى، و الشاهد، و باب المدینة، و غرة المهاجرین، و الكرار غیر الفرار، و الفقار ، و بیضة البلد. و اعلم أن هذا اللفظ یستعمل فى المدح و الذم؛ فمن الأول قول أخت عمرو بن عبد ود ترثى أخاها حین قتله أمیر المؤمنین (علیه السلام) یوم الخندق:
لو كان قاتل عمرو غیر قاتله
لكنت أبكى علیه دائم الأبد
لكن قاتله من لا یعاب به
و كان یدعى قدیما بیضة البلد
و من الثانى قولهم: هو أذل من بیضة البلد ، أى بیضة النعامة.
و منه قول الشاعر:
لو كان حوض حمار ما شربت به
إلا بإذن حمار دائم الأبد
لكنه حوض من أودى بإخوته
ریب الزمان ، فأمسى بیضة البلد
كنیته: أبو الحسن و الحسین، و أبو السبطین، و أبو الریحانتین، و أبو تراب.
نسبه: على بن أبى طالب بن عبد المطلب جد النبى (صلى الله علیه و آله)
و روى أن الله سبحانه خلق النور الذى خلق منه محمدا و علیا قبل أن یخلق الدنیا بخمسمائة ألف عام، فلما خلق آدم وضع ذلك النور فى صلبه، فكان ینتقل من صلب إلى صلب، و من رحم إلى رحم حتى استقر من صلب عبد المطلب، و اسمه شیبة الحمد، ثم افترق فرقتین؛ فرقة انتقلت إلى صلب عبد الله، ولد منها النبى (صلى الله علیه و آله)، و فرقة إلى صلب أبى طالب، ولد منها على (علیه السلام) .
و اختلف فى اسم أبى طالب، فقیل: لیس له اسم غیر ذلك، و قیل: اسمه عبد مناف، و قیل: عمران، و ذكر أنه كان له ثلاثة أولاد غیر على، و هم: جعفر، و عقیل، و طالب، و بنت، و هى: أم هانىء .
أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم جد النبى (صلى الله علیه و آله)، و على (علیه السلام) أول هاشمى تولد من هاشمیین .
نقش خاتمه: الملك لله الواحد القهار.
عمره: ثلاث و ستون سنة؛ منها ثلاث و ثلاثون مع النبى (صلى الله علیه و آله)، و ثلاثون سنة بعده، و هى مدة إمامته .
و قیل: بل عمره خمس و ستون ، و الأول أشهر.
و كان فى حیاة رسول الله(صلى الله علیه و آله) یسارع إلى حوائجه و مهماته، و یكشف عنه كرب الحروب بسیفه، و كان النبى (صلى الله علیه و آله) یكثر الثناء علیه فى المجالس و المحافل، و ینص علیه بأنه الخلیفة بعده، سیما فى یوم غدیر خم، و هو مكان قریب من المدینة عند الجحفة، و ذلك أن النبى (صلى الله علیه و آله) لما نعیت إلیه نفسه و مضى إلى حجة الوداع، أمره الله سبحانه و تعالى أن ینصب علیا خلیفة بعده، و نزل علیه جبرئیل (علیه السلام) و قال له: ربك یقرئك السلام، و یقول لك: اقرأ: «یا أیها الرسول، بلغ ما أنزل» الآیة، فلما رجع من حجة الوداع و بلغ ذلك الموضع نزل جبرئیل (علیه السلام)، و قال له : ربك یقرئك السلام، و یقول لك: اقرأ: «یا أیها الرسول، بلغ ما انزل إلیك من ربك فى على» .
فقال: «یا جبرئیل، أما ترانى مجدا فى السیر حتى أدخل المدینة، و أفرض ولایته على الشاهد و الغائب».
فقال له جبرئیل (علیه السلام): إن الله یأمرك أن تفرض ولایته فى منزلك هذا، قبل أن یتفرق الناس إلى بلدانهم و قراهم. فنزل رسول الله (صلى الله علیه و آله) فى ذلك الموضع و نزل الناس، و جمع الرحال بعضها على بعض حتى صار مكانا عالیا، فصعد و أصعد علیا (علیهما السلام) معه، و رفعه بعضدیه حتى بان بیاض إبطیه، و خطب خطبة طویلة باستخلاف على بعده، و بالغ فیها باللعن و الغضب على من خالفه، و قال فیها: «من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم و ال من والاه و عاد من عاداه» فسلم المسلمون لأمر رسول الله (صلى الله علیه و اله)، و كان النبى (صلى الله علیه و آله) و المسلمون یسلمون على على(علیه السلام) بإمرة المؤمنین .
ثم سار النبى (صلى الله علیه و آله) من ذلك الموضع حتى دخل المدینة و بقى بعدها أیاما قلائل، و لم یزل یؤكد الوصیة لأمیر المؤمنین (علیه السلام) فى تلك الأیام فى صحته و مرضه حتى قبض (صلى الله علیه و آله).
[خلافة أبى بكر]: فلما قبض و اشتغل على (علیه السلام) بتجهیزه اضطرب أمر الناس و كثر الكلام بینهم فى أمر الخلافة، فجاء رجل فصفق على ید أبى بكر بالبیعة فبایعه الناس و استقرت الخلافة له، و اسمه عتیق بن عثمان ـ و هو أبو قحافة ـ بن عامر بن بن عمرو [بن كعب] بن سعد بن تیم بن مرة جد النبى (صلى الله علیه و آله)، و أمه سلمى بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تیم بن مرة .
و بایعه جمیع الصحابة الا اثنى عشر رجلا؛ ستة من المهاجرین و ستة من الأنصار، فأما المهاجرون فهم: خالد بن سعید، و سلمان الفارسى، و أبو ذر الغفارى، و المقداد بن الأسود الكندى، و عمار بن یاسر، و بریدة الأسلمى.
و أما الأنصار فهم: قیس بن سعد بن عبادة، و خزیمة بن ثابت ـ ذوالشهادتین ـ و سهل بن حنیف، و أبو الهیثم ابن التیهان، و ابى بن كعب، و أبو أیوب الأنصارى . و زاد الصدوق فى عدد الممتنعین من بیعة أبى بكر سعد بن عبادة سید الأنصار ، و لا ریب فیه، و كأن العلة فى عدم ذكره أنه مات بعد موت النبى(صلى الله علیه و آله) بقلیل، فلم یكن منه من المخاصمة فى أمر البیعة ما كان من غیره، و جابر بن عبد الله الأنصارى، و أبا سعید الخدرى، و حذیفة بن زید، و زید ابن حصین الأسلمى، فهؤلاء أنكروا على أبى بكر مجلسه.
فلما نظر على (علیه السلام) إلى قلة العدد و خذلان الناصر جلس فى منزله، فجمع عمر بن الخطاب جماعة، و أتى بهم إلى منزل على (علیه السلام) فوجدوا الباب مغلقا، فنادوه فلم یجبهم أحد فاستدعى عمر بحطب، و قال: و الله، لئن لم تفتحوه لنحرقنه بالنار، فلما سمعت فاطمة (سلام الله علیها) ذلك خرجت و فتحت الباب، فدفعها عمر، فاختفت هى من وراء الباب، فعصرها بالباب ، فكان ذلك سبب إسقاطها، و نقل أنه كان سبب موتها (علیها السلام). و دخلوا فوثبوا على أمیر المؤمنین (علیه السلام) فأخرجوه عنفاه، فحالت فاطمة (علیها السلام) بینهم و بینه، و قالت: «و الله، لا أدعكم تخرجون بابن عمى ظلما، و یلكم، ما أسرع ما خنتم الله و رسوله فینا!» فأمر عمر بن الخطاب قنفذا فضربها بسوط حتى أثر فى جسمها . و خرجوا بعلى (علیه السلام) یقودونه إلى مجلس أبى بكر إلى أن وصلوا به إلیه، ثم عرضوا علیه البیعة له فامتنع، فوضعوا یده قهرا فى ید أبى بكر، فضم أصابعه فأرادوا فتحها فلم یمكنهم، فمسح علیها أبو بكر و هى مضمومة، و قالوا: إنه قد بایع، فكان أبو بكر خلیفة إلى أن توفى، و كانت وفاته لیلة الثلاثاء لثمان بقین من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت مدة خلافته سنتین و شیئا .
خلافة عمر: ثم تخلف بعده عمر بن الخطاب بن نفیل بن عبد العزى بن ریاح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب جد النبى (صلى الله علیه و آله)، و أمه حنتمة بنت هاشم بن المغیرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فكان خلیفة إلى أن قتل، و كانت وفاته الأربعاء لأربع بقین من ذى الحجة سنة ثلاث و عشرین من الهجرة، فكانت مدة خلافته عشر سنین و ستة أشهر، و قتله فیروز أبو لؤلؤة غلام المغیرة بن شعبة.
خلافة عثمان: ثم تخلف من بعده عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمیة ابن عبد شمس بن عبد مناف، و أمه أروى بنت كریز بن جابر بن حبیب بن عبد شمس، و كان خلیفة إلى أن قتل، و ذلك یوم الجمعة للیلتین بقین من ذى الحجة، و قیل: لاثنتى عشرة سنة إلا أیاما، اجتمع علیه المهاجرون و الأنصار نحو من تسعین ألفا فقتلوه فى منزله (35) . و كانت خلافة الثلاثة خمسا و عشرین سنة.
[خلافة على بن أبى طالب(علیه السلام)]: ثم تخلف على بن أبى طالب (علیه السلام)، فلما انتقل الأمر إلى على (علیه السلام)، فبایعه الناس بعد مضى الثلاثة ، خرجت الحمیراء فى عسكر تطلب بثأر عثمان، فأتت بجیشها إلى البصرة ، و أتى على (علیه السلام) بمن كان معه، و كان عدد عسكر على (علیه السلام) عشرین ألفا، و عدد عسكر عائشة ثلاثین ألفا، فكان بینه و بینها الوقعة المسماة بوقعة الجمل، و هى سنة ست و ثلاثین، فانتصر على (علیه السلام) و أباد أصحاب عائشة و لم ینج منهم إلا من هرب، و كان عدد قتلى أصحاب على (علیه السلام) ألفا و سبعین، و قتلى أصحاب عائشة ستة عشر ألفا و تسعمائة و تسعین ، و رجعت یائسة من إدراك ما طلبته، و أقام على(علیه السلام) فى الكوفة، و كانت هجرته من المدینة إلى الكوفة هى الهجرة الثانیة. و كان عثمان قد ولى معاویة بن صخر بن حرب بن امیة بن عبد شمس ابن عبد مناف جد النبى (صلى الله علیه و آله)، و امه هند بنت عتبة بن ربیعة بن عبد مناف على الشام فى زمان حیاته، فلما صار الأمر إلى على (علیه السلام) أرسل إلیه لیعزله فلم یقبل، لأنه كان قد تمكن و على (علیه السلام) فى أول أمره، فكان بینهما ما كان، و كان من ذلك وقعة صفین، و هى سنة ثمان و ثلاثین من الهجرة، و اشتملت على وقعات و حملات، و كان أعظمها قتالا و أشدها حربا لیلة الهریر، فإنهم و صلوا اللیل بالنهار .
و روى أن علیا قتل بیده فى تلك اللیلة خمسمائة ، و نقل أن قتلى أصحاب على (علیه السلام) كانوا ألفین و تسعین، منهم: عمار بن یاسر، و ابن التیهان، و خزیمة ابن ثابت ـ ذوالشهادتین ـ و قتلى أصحاب معاویة تسعة آلاف
ثم لما رجع على (علیه السلام) من تلك الوقعة لعب الشیطان بجماعة من أصحابه فأدخل علیهم الشبهة و شككهم فى أمرهم، فخرجوا علیه و اعتزلوا فنزلوا بالنهروان، و كان عددهم ستة آلاف، و هم المسمون بالخوارج، فمضى إلیهم على (علیه السلام) بعسكره، فكان بینه و بینهم مناظرات، فرجع منهم ألفان، و قیل: إنهم كانوا اثنى عشر ألفا، فرجع منهم ثمانیة آلاف، و بقى على القولین أربعة آلاف على ضلالهم، فكان بینه و بینهم الوقعة المسماة بوقعة النهروان، و هى فى سنة وقعة صفین، فقتلهم بأسرهم و لم یبق منهم إلا ثمانیة، و قیل: تسعة؛ فتفرقوا فى البلاد و أسسوا رأى الخوارج، فكان علیه أتباعهم إلى یومنا هذا . و كان النبى(صلى الله علیه و آله) یخبره فى حیاته بأنه سیقاتل الناكثین و القاسطین و المارقین، فأما الناكثون فهم أصحاب الجمل، و أما القاسطون فهم أصحاب صفین، و أما المارقون فهم أصحاب النهروان .
ثم رجع (علیه السلام) إلى لكوفة فجمع بعد ذلك عسكرا لحرب معاویة فقتل قبل خروجه و تراجعت العساكر.
و مما كان فى زمانه و غیر ما ذكر: بناء الكوفة سنة سبع عشرة ، و وفاة العباس سنة ... ، و وفاة مالك الأشتر سنة ... ، و وفاة أبى ذر سنة ... ، و وفاة سلمان سنة ... ، و وفاة المقداد سنة ... ، و وفاة حفصة بنت عمر سنة سبع و عشرین من الهجرة فى خلافة عثمان.
عدد نسائه (علیه السلام): كان له تسع زوجات، عدا السرارى ، أسماؤهن: فاطمة (علیها السلام) و خولة بنت [جعفر بن] قیس الحنفیة، و أم حبیب بنت ربیع، و أم البنین بنت حزام بن خالد بن دارم، و لیلى بنت مسعود الكلابیة ، و ام مسعود بنت عروة بن مسعود الثقفى. و امامة بنت أبى العاص، و امها زینب بنت خدیجة بنت خویلد و هى من رسول الله (صلى الله علیه و اله) و كانت فاطمة (علیها السلام) قد أوصته بأنى إذا توفیت تزوج بنت اختى . و محیاة بنت امرىء القیس ، و أسماء بنت عمیس، وكانت امرأة أخیه جعفر بن أبى طالب، ثم انتقلت إلى أبى بكر، ثم انتقلت إلى على ، و كان ابنها محمد بن أبى بكر من خواص أصحابه و أنصاره إلى أن قتل (رحمه الله) حریقا بالنار سنة ... ، فحزن علیه أمیر المؤمنین (علیه السلام) لقتله، و قال فى شأنه: «كان لى ربیبا، و كنت له حبیبا» .
و قیل: كانت نساؤه (علیه السلام) اثنتى عشرة عدا السرارى .
أولاده (علیه السلام): ثمانیة و عشرون، أسماؤهم: الحسن، و الحسین، و زینب الكبرى، و زینب الصغرى المكناة أم كلثوم (سلام الله علیه أجمعین)، و السقط الذى سماه النبى (صلى الله علیه و اله) فى حیاته و هو حمل محسنا، هؤلاء من فاطمة (علیها السلام)، و محمد المكنى أبا القاسم من خولة الحنفیة و عمر و رقیة من أم حبیب، و العباس و جعفر و عثمان و عبد الله الشهداء بكربلاء مع الحسین (علیه السلام) من ام البنین، و محمد الأصغر المكنى أبا بكر و عبید الله الشهیدان مع أخیهما الحسین (علیه السلام) من لیلى بنت مسعود، و یحیى و عون من أسماء بنت عمیس، و ام الحسن و رملة من ام مسعود، و نفیسة و زینب الصغرى و ام هانىء و ام الكرام و جمانة المكناة بام جعفر و امامة و ام سلمة و میمونة و خدیجة و فاطمة (رحمهن الله) من امهات شتى .
و من عد أولاد على (علیه السلام) سبعة و عشرین فقد أسقط السقط من العدد، و لا وجه له.
بوابه: قنبر، و سلمان الفارسى .
وفاته (علیه السلام): بالكوفة لیلة الاثنین، الحادیة و العشرین من شهر رمضان، سنة أربعین من الهجرة فى أیام معاویة، و قبره بالغرى .
سبب وفاته (علیه السلام): قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادى لعنه الله تعالى .
إیراد مقتله (علیه السلام) على وجه الاختصار:
إنه لما قتل عثمان و انتقل الأمر إلى على (علیه السلام)، أرسل إلى عمال عثمان فعزلهم إلا عامل الیمن، و هو حبیب بن المنتجب، فإنه كان من شیعته، فأقره على ولایته، و كتب إلیه كتابا یوصیه بتقوى الله تعالى و العدل فى الرعیة، و یأمره بأخذ البیعة له، و أن ینفذ إلیه عشرة من رؤوساء أصحابه، فأخذ له البیعة على أهل الیمن، و أنفذ إلیه عشرة؛ و كان منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادى فأتوا إلى الكوفة فبایعوا أمیر المؤمنین (علیه السلام)، و أقاموا أیاما ثم رجعوا إلى الیمن، و كان عبد الرحمن وقت رجوعهم مریضا فتركوه ثم عوفى من مرضه، و كان یسارع فى حوائج أمیر المؤمنین (علیه السلام) و خدمته، و أمیر المؤمنین (علیه السلام) یكرمه و یؤثره على غیره، و هو مع ذلك یقول له: «أنت قاتلى لا محالة» و یخبر الناس بذلك .
و كان أمیر المؤمنین (علیه السلام) فى وقعة صفین و وقعة النهروان، فلما رجع و قرب إلى الكوفة تقدم ابن ملجم لیبشر الناس بنصرة أمیر المؤمنین (علیه السلام) على أعداء الله، فدخل الكوفة و كان یخبر الناس بما كان بنصرة أمیر المؤمنین (علیه السلام) على أعداء الله، فدخل الكوفة و كان یخبر الناس بما كان حتى اجتاز بدار قطام بنت شجنة (69) فأنزلته و سألته فأخبرها بمن قتل بالنهروان، و كان من القتلى عدة من أهلها، فجزعت جزعا شدیدا و بكت، ثم إن عبد الرحمن خطبها من نفسها فقبلت، و شرطت علیه قتل على (علیه السلام)، و جعلت مهرها ثلاثة آلاف دینار و جاریة و عبد، فغضب من ذلك و استعظم قتل أمیر المؤمنین (علیه السلام)، فلم تزل تتبرج له بحسنها و جمالها و ترغبه فى نفسها و مالها حتى قبل بذلك، و أوعدها بما طلبت، و كان فى تلك الأیام یتردد إلیها و یعدها، ثم ورد علیه فى تلك الأیام كتاب بموت بعض أقاربه، وكان هو الوارث لما له، و مضى لأخذ المال، و جعل طریقه على باب قطام و أخبرها بذلك و أوعدها بقضاء حاجتها إذا هو رجع.
ثم سار إلى أن بلغ ذلك المكان، فتسلم المال و رجع، فالتقاه بعض اللصوص و أخذوا جمیع ما كان معه إلا قلیلا من الدنانیر لم یعلموا بها، و هرب بنفسه خائفا من القتل، فقصد أبیات لبعض الأعراب فأنزلوه و سألوه عن حاله، فأخبرهم أنه من أهل الكوفة، وكانوا من الخوارج، فغضبوا و ائتمروا فى قتله، و هو یسمع كلامهم فیما بینهم، فأقبل على كلب لهم مریض فسمح علیه یده، و هو یقول: مرحبا بكلب قوم أكرمونى، فلما رأوا ذلك منه سكن غضبهم عنه، و أطلعوه على سرهم، و أنهم یریدون قتل على (علیه السلام) و معاویة و عمرو بن العاص، فأخبرهم بأنه موافق لهم على عزمهم فاستبعدوا ذلك، فأخبرهم بأنه من الیمن، و بما كان له مع قطام بنت شجنة فسكنوا إلى قوله .
ثم عقد العهد مع اثنتین، و هما: البرك بن عبد الله التمیمى، و عبد الله بن عمر العنبرى، فكان الاتفاق بینهم على أن یمضى كل واحد منهم إلى واحد من الثلاثة المذكورین و یقتله، و كان الموعد لیلة تسع عشرة من شهر رمضان؛ فمضى البرك الى عمر و بن العاص بمصر، و مضى عبد الله بن عمر العنبرى إلى معاویة بدمشق، و فى بعض السیر بالعكس، و مضى عبد الرحمن إلى على (علیه السلام) بكوفة .
فأما صاحب عمر و بن العاص، فإنه وصل إلى مصر و اقام بالمسجد یتوقع الفرصة على عمر و بن العاص، فاتفق أنه فى تلك اللیلة التى كانت الموعد ضعف و لم یخرج لصلاة الصبح، و استناب خارجة بن زید، و قیل: حسان بن ثابت، فتقدم و صلى بالناس صلاة الصبح، و ذلك الرجل یظن أنه عمر و بن العاص فأمهله حتى دخل فى الصلاة و دخل الناس، فسل سیفه فضربه به فقتله، فعند ذلك صاحوا علیه فقبضوه، و قالوا له: و یحح، قتلت مصلیا فى صلاته!
فقال: إنه یستحق القتل.
فقالوا له: من تعنى؟
فقال: عمر و بن العاص.
فقالوا له: إن الذى قتلته خارجة بن زید! فاعتذر بأنه لم یرد إلا عمر و بن العاص، ثم قتل بعد ذلك، و لله در القائل شعرا!:
فلیتها إذ فدت عمرا بخارجة
فدت علیا بمن شاءت من البشر
و أما صاحب معاویة، فإنه وصل إلى دمشق و دخل على معاویة، و كان صاحب منطق فأعجب معاویة، فكان یجلسه معه فى وقت الأكل، ثم خرج معاویة فى صبیحة تلك اللیلة المذكورة لصلاة الصبح، و كان قد كمن له ذلك الرجل، فأخرج سیفه، فسمع معاویة قعقعة السیف، فالتفت فإذا به مشهور فهرب وراغ، فضربه فوقعت الضربة فى ألیته فجرحه،و وقع معاویة مغشیا علیه، فتبادروا إلى الرجل فقبضوه، و حمل معاویة إلى منزله، فاستدعوا بطبیب فعالج الجرح فبرأ بعد أیام، فلما بلغه قتل على (علیه السلام) خلى سبیل ذلك الرجل، و قیل: قتله من ساعته .
و أما عبد الرحمن فإنه وصل إلى الكوفة، فطرق باب قطام فخرجت إلیه، و كانت قد یئست من رجوعه، فلما رأته فرحت، و أخبرها ببقائه على العهد و بما كان له فى سفره، فلما كانت اللیلة المتفق علیها، أخذ السیف إلى الصیقل فأجاد صقله، ثم أتى به إلى قطام فلم تقنع بذلك، و أخذته و سقته السم.
و مضى ابن ملجم فنام فى المسجد، و قیل: بل كان نائما فى دار قطام إلى وقت السحر ، فلما أتى أمیر المؤمنین (علیه السلام) لصلاة الصبح أمهله حتى دخل فى الصلاة، ثم ضربه بالسیف على رأسه فشقه إلى موضع سجوده، و وقع الامام مغشیا علیه، فارتفعت الصیحة، و قامت الضجة، فأتى الحسن و الحسین(علیهما السلام) إلى المسجد فوجدا أباهما و هو مخضب بدماءه یغشى ساعة و یفیق اخرى، فبكیا بكاء شدیدا و كثر البكاء و النحیب فى المسجد حتى أشرف الناس على الهلاك، و تقدم الحسن (علیه السلام) فصلى بالناس و صلى معهم الامام (علیه السلام) بالایماء.
و أما ابن ملجم فإنه خرج من المسجد هاربا، فالتقاه حذیفة النخعى (رحمه الله) فى الطریق، و رأى تحت أثوابه السیف و هو حائر لا یدرى أین یذهب، فصاح علیه فاجتمع الناس فقبضوه و كتفوه، و أتوا به إلى أمیر المؤمنین (علیه السلام) فعنفه على ما فعل، فقال له ابن ملجم: أفأنت تنقذ من فى النار؟!
ثم حمل أمیر المؤمنین (علیه السلام) إلى منزله، و كان الناس یدخلون علیه و یعودونه و یسألونه المسائل، فلما كانت لیلة إحدى و عشرین، و هى اللیلة التى توفى فیها، جمع أهل بیته و أولاده فودعهم و ودعوه و بكوا جمیعا بكاء شدیدا، ثم أوصاهم بتقوى الله و الصبر، ثم تشهد الشهادتین و مد یدیه إلى جانبیه، و قال: «أستودعكم الله أهل البیت، علیكم منى السلام».
ثم قال: (لمثل هذا فلیعمل العاملون) .
ثم قبض (صلوات الله علیه)، فكثر البكاء و النحیب فى داره و فى جمیع شوارع الكوفة، و سمع الناس أصوات الملائكة، و كان ذلك الیوم كیوم وفاة رسول الله (صلى الله علیه و اله) و لقد أحسن من قال:
و لا غرو للأشراف إن ظفرت بها
كلاب الأعادى من فصیح و أعجم
فحربة و حشى سقت حمزة الردىو قتل على فى حسام ابن ملجم
و لما توفى أمیر المؤمنین (علیه السلام) غسل و حنط ببقیة حنوط رسول الله (صلى الله علیه و آله)، و كفن و جعل على سریره، و حمل الحسن و الحسین (علیهما السلام) بمؤخر النعش، وحملت الملائكة بمقدمه، و كان (علیه السلام) قد أعلمهم ذلك قبل موته، ثم مضوا به إلى الغرى فدفنوه لیلا، و كان مقبرة للكوفة .
و بقى موضع قبره غیر معلوم إلى زمان الرشید، فروى أنه خرج إلى الصید، فلما وصل إلى ذلك المكان كان یرسل الكلاب، و رأى الوحوش تهرب إلى هذا الموضع فترجع الكلاب عنها، فتعجب من ذلك، ثم أحضر بعض الشیوخ من الأخباریین الممارسین للتواریخ فسألهم عن هذا المكان و أخبرهم بما كان، فقالوا: قد بلغنا أن أمیر المؤمنین(علیه السلام) دفن بهذا المكان ، ثم اشتهر من ذلك الیوم فصار بلدا ببركته (علیه السلام)، زاده الله و ألاده شرفا فى الدنیا و الآخرة، و لبعض علماء أصحابنا كتاب یسمى ب(فرحة الغرى فى إثبات دفنه (علیه السلام) بهذا المكان.
و فى صبیحة اللیلة التى دفن فیها أمیر المؤمنین (علیه السلام) قتل ابن ملجم لعنه الله تعالى .
سید تاج الدین الحسینى العاملى